فوزي آل سيف

44

من قصة الديانات والرسل

سبيل الله لا تنحصر في وجود الفقير المستحق وإنما هي متعددة وكثيرة وبعدد أنفاس الخلائق كما قيل. وقد وجه الشيخ جعفر السبحاني القول المذكور بأن البراهين الموصلة لله هي بعدد أنفاس الخلائق: برهان النظم والحركة، ومحاسبة الاحتمالات، والصديقين والحدوث والفطرة...واصفا إياه بأنه من الأقوال المشهورة لدى العلماء. والذي نلاحظه على ما سبق الأمور التالية: 1/ أن هذا القول ليس له مصدر وحياني، فلا هو آية قرآنية ولا حديث عن معصوم لا برواية معتبرة ولا ضعيفة، بل حتى على مستوى الإدعاء والنسبة، إلا ما ذكر من المولى النراقي في كتابه مثنوي طاقديس وهو كتاب موضوع على طريقة العرفاء أكثر مما هو ملتزم بطريقة المحدثين والفقهاء. وبالتالي فمن هذه الجهة لا قيمة له في إثبات مسألة فرعية فقهية فضلا عن أن يكون مستندًا في مسألة عقائدية من أهم المسائل! 2/ إننا نحتمل أن مصدره الأصلي هو الفرق الصوفية التي هي على منهج مدرسة الخلفاء وقد تكرر ذكره كثيرًا في كتبهم كما يظهر ببعض التتبع، وهو منسجم مع توجهات هذه الطرق سواء على مستوى المذاهب أو في داخل الطرق نفسها وبرامجها وأورادها، وذلك لإيجاد نوع من المصالحة بين هذه الطرق وألّا يخطّئ بعضها بعضًا أو يسفه بعضها طرق بعض! ثم وجد طريقه إلى كلمات العلماء أو الفقهاء مع تغيير في المعنى المقصود. 3/ إن من استشهد به من علمائنا أخذوا منه أحد معنيين؛ وهما لا يرتبطان بموضوع التعددية الدينية؛ المعنى الأول؛ أن الآيات والعلامات الدالة على الله سبحانه وتعالى كثيرة والطرق إلى معرفة وجوده، وإثبات خالقيته كثيرة فهي بهذا المعنى بعدد أنفاس الخلائق، وهذا يشابه في المعنى القول: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد! وهذا المعنى صحيح ولا غبار عليه ولا يرتبط بالتعددية الدينية! والمعنى الآخر؛ هو في مفردات طاعة الله ومصاديقها بعدما ثبت الأصل، فإن عنوان الذكر لله مثلا له أنحاء مختلفة ومتعددة، وعنوان الانفاق كذلك له مصاديق كثيرة؛ الانفاق من المال ومن الجاه والوقت ونصيحة اللسان و..و. وعنوان سبيل الله له كذلك كما مر في كلام المرحوم السيد الخوئي، وهكذا. وخاتمة القول ننقل ما ذكره الري شهري في كتابه حيث قال: ثمة تساؤل جدير بالإثارة، وهو: إِذا كانت «الطرق إِلى اللّه عدد أنفاس الخلائق» الواردة في كلام عدد من المحدّثين والحكماء كمبدأ ثابت، وتارةً تطرح كحديث نبويّ، فهل ينافي هذا الأمر وحدة الصراط الإلهيّ المستقيم؟ إِنّ الجواب هو أنّ هذا الكلام لم يرد في أيّ مصدر من المصادر الحديثيّة المعتمدة، وقد تفرّد المرحوم الملاّ أَحمد النراقي ـ رضوان اللّه تعالى عليه ـ بذكره في كتاب «مَثْنَوي طاقْديس» كحديث من الأَحاديث. سواءٌ أَ كان هذا الكلام حديثًا أم لم يكن، فإنّه لا يعني ما أُستند إِليه بعض أَدعياء الثّقافة في عصرنا من التعدّديّة الدينيّة، بل يعني أنّ الطرق الفرعيّة المتّصلة بالطريق